أحمد بن يحيى العمري

25

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

التذكرة ، ونكتفي بالقليل لما عنده من المخبرة ؛ فأول ما نوصيه أنه لا يقف عند منهل ، ولا يتوقف في أي شيء تسهل ، ولا يتخير ليتحير ، ولا يذكر إذا تقدم إلى الطعام ؛ بحقد من حقد ولا لوم من لام ، ولا يحسب حساب تقية من حضر ، بل يأكل الكل ولا يذر ، ولا ينتظر من غاب ، ولو كان أسد الغاب ، ومهما جاء قدامه رماه بالمحاق ، وعاجله خوف اللحاق ؛ وإذا قدمت المائدة ، يذكر اسم الله لتهرب الشياطين ، وتغنّى لئلا تحضر الملائكة ، ويتحيّل بكل طريق في عدم المشاركة ، ويعجل مهما أمكنه فإنه ما يأمن المداركة وليلف الخبز والإدام ، ولا يعفّ عن لحس الزبادي وقرقشة العظام ، ولا يتلافى خاطر من حرد ولا يترضى ، ولا يدع شيئا مما يطلق عليه اسم الأكل حتى النار التي تأكل بعضها بعضا ، وليباكر الغداء فإنه مكرمة ، ويلازم العشاء فقد قال صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « تعشّوا ولو بكف من حشف فإنّ ترك العشاء مهرمة » ، وليداوم على ما هو عليه من هذا الأمر ، ولا يلتفت لقول زيد ولا عمرو ، وليأكل ما حضر ويحرص على الطيبات ، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب ، ويحب الحلو والعسل ، ويحب الزّبد والتمر ، ولا أقل أن يكون فيه هذا من السنة ؛ ومن تتبع مآكل السلف ، وإن كان لا يريد ، لأن هذا كله لا مصور على خاطره ، وممثل في ناظره ؛ ثم ليتعهد المهضمات وما يقوي المعدة ، ويزيد لهيب نيرانها المتقدة ، ولا يدع استعمال المسهلات ، ليهيئ المعدة لمواقع الغداء والعشاء ، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء ؛ وليستعلم أخبار الآكلين ، وطرائف الطفيلية المحتالين ، لما يحصل بذلك من التأسي ، وينهض الشهوة للأكل والتحسي ؛ وإياه والمضغ ، فإنه يطيل المدى ويقلل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا ؛ ومهما استطاع فليحسن المآكل ، ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل ،

--> ( 1 ) الحديث : أخرجه الترمذي 3 / 432 رقم 1856 وأبو نعيم في الحلية 8 / 214 والخطيب في تاريخ بغداد 3 / 396 .